صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

135

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

في الخارج كان عين ب قولك إذا وجد الكيف النفساني للحقيقة الذهنية كان كيفا نفسانيا لا جوهرا قلنا المفروض ليس هذا بل المفروض وجوده الخارجي فقط لا مع انحفاظ كونه كيفا نفسانيا فإن وجوده الخارجي يستلزم انقلاب حقيقته إذا الحقيقة الذهنية مشروطة بالوجود الذهني والحقيقة الخارجية مشروطة بالوجود الخارجي فوجود الأمر الذهني في الخارج عبارة عن انقلاب حقيقته إلى الحقيقة الخارجية أو متضمن لهذا الانقلاب فليتأمّل ففيه ما فيه والحق ما أشرناك إليه ويمكن توجيه كلامه بوجه آخر أقرب إلى الحق وأبعد عن المفاسد المذكورة وهو أنه لما قام البرهان على أن للحقائق العينية ذاتيات بها يصدر أفعالها وآثارها الذاتية التي هي مبادي تعرف الذاتيات وامتيازها عن العرضيات وإذا حصلت تلك الذاتيات في النفس كانت صورا علمية ناعتية للنفس صفات لها مع بقاء مفهوماتها وصارت لها حقائق عرضيات ككونها أعراضا للنفس وكيفياتا لها وكونها كيفية علمية وككونها هذا النوع من الكيفية العلمية فتلك المعاني والذاتيات ليست لها في ذاتها مع قطع النظر عن الوجودين حقيقة أصلا لا جوهرية ولا عرضية بأن يصدق عليها شيء من الحقائق فإن كان شيء منها من حيث الوجود لا يستدعي موضوعا يقوم به كان جوهرا وإلا كان عرضا وكذا بالنظر إلى وجوده الذاتي إن كان قابلا للأبعاد كان جسما وإن كان مقتضيا للنمو والتغذي كان ناميا وقس عليه الحساس والصاهل والناطق فظهر أن انتزاع الذاتيات من الذوات إنما يمكن بشرط وجود الذوات في الخارج تحقيقا أو تقديرا وإذا لم يلاحظ وجودها الخارجي بل لوحظت بشرط الوجود الذهني صلحت لأن ينتزع منها ذاتيات أخرى هي ذاتيات العرض كالعلم والكيف وغيرهما وإن لوحظت مطلقة عن الوجودين لا يحمل عليها وهي نفس مفهومات تصورية بل لم يصلح لأن يشار إليها شيء ولا يحكم عليها فلها الإطلاق الصرف والإبهام البحت إذا تقرر هذا فنقول معنى انحفاظ الماهيات هو أن الذهن عند تصور الأشياء إنما يلاحظ هذه الصورة الذهنية لا من حيث تعينها الذهني بل يلاحظها من حيث وجودها الخارجي الذي به تعين مقولته من حيث إنه جوهر مثلا وجسم ونام ويحكم عليها بما يقتضيه حقيقتها العينية وينتزع عنها الذاتيات وليس في هذه الملاحظة كونها موجودة في الذهن مشعورا به وملحوظا إليه ولا أيضا كونها كيفا ولا علما محظورا بالبال وهذه الذاتيات وإن حصلت في الذهن لكن كحصول أفرادها بل بأنها انحفظت ماهياتها فما وجد من الماء مثلا عند تصور الماء ليس جسما ولا سيالا ولا رطبا ولا ثقيلا بل هو كيفية نفسانية فإنه يحصل للذهن عندما حذف عن أشخاص المياه الموجودة في المواد الجزئية تشخصاتها وعوارضها اللاحقة قوة وبصيرة روحانية ينظر إلى حقيقة واحدة هي مبدأ المياه الجزئية وكوشف له مفهوم كلي يصدق عليها فيجعل ذلك الأمر الصادق عليها مرآة لتعرف أحوالها وأحكامها الخارجية وذاتياتها وعرضياتها كما لوحناك إليه سابقا وعلى هذا يحمل كلام القوم في معنى انحفاظ الذاتيات في نحوي الوجودين هذا ما أردنا أن نقول في توجيه كلام هذا القائل المذكور وليعلم أن كلام المتأخرين أكثره غير متبين على أصول صحيحة حقة برهانية أو كشفية بل على ذائعات مقبولة ومشهورات محمودة ولذلك من رام منهم إفادة تحقيق أو زيادة تدقيق إنما جاء بإلحاق منع ونقض وزيادة قدح وجرح فأصبحت مؤلفاتهم معارك الآراء ومصادم للأهواء وصارت بتراكم المناقضات كظلمات بعضها فوق بعض فما خلص عن دياجيرها إلا الأقلون ونحن إنما بسطنا القول في هذا المبحث لكونه مزالة للأقدام ومضال للأفهام ومن الله العصمة والتوفيق وبيده إفاضة العلم والتحقيق [ في أن المعتبر في الجوهرية الوجود العيني ] قوله ولقائل أن يقول فماهية العقل الفعال إلى آخره صورة هذه الشبهة أنه يلزم التناقض على الحكماء في قوليهم أحدهما قولهم أن العلم بالجوهر أي المعقول من الجوهر عرض وثانيهما أن المعقول من الجواهر المفارقة لا يخالف موجوداتها والجواب بمنع الكلية في كلا القولين فإن أحدا من الحكماء لم يقل بأن المعقول من كل جوهر عرض بل المعقول من الجوهر الذي وجوده في المادة مقيدا بالوضع والحيز وغيرها من الأغشية والأغطية ولم يقل أيضا كل معقول من جوهر مفارق لا يخالف موجوده بل المراد أن تعقل ذاته لذاته لا يحتاج إلى صورة زائدة على ذاته فهو معقول لذاته سواء عقله غيره أو لم يعقله وإن تعقله لذاته لا يحتاج إلى نزع وتجريد يتولاه العقل فإن الجواهر الخارجية على ضربين منها ما وجوده الخارجي وجود مادي ذو وضع واقع في الجهات والأوضاع ومثله لا يكون معقولا أبدا إلا بصورة أخرى مطابقة لها لأن المعقول ما يمكن اشتراكه بين كثيرين والمحدود في جهة المحبوس في حيز المخصوص بوضع كيف يساوي نسبته إلى القريب والبعيد والكبير والصغير والحاضر والغائب فلا بد في كونه معقولا من صورة أخرى ليس وجودها هذا الوجود وتلك الصورة لا بد أن يكون وجودها في نفسها ومعقوليتها وكونها عند العاقل شيئا واحدا بلا اختلاف ومنها ما وجوده الخارجي وجودا مفارقا عن المادة ولواحقها